قانون الشركات كمال محمد محمد خير

بسم الله الرحمن الرحيم

اشارات حول العلاقة القانونية بين العامل وصاحب العمل
بقلم الأستاذ / محمد الحسن عوض الله- المحامي

لم يكن القانون جزيرة معزولة عن التطور الذي تشهده الحياة في كافة مناحي العلوم الإنسانية فقدكان لهذا التطور أثراً عظيماً على كل المفاهيم والتشريعات القانونية، ومثلما كانت الأنظمة والقوانين والوثائق والإتفاقيات وسيلة فعالة في تنظيم العلاقات بين الدول والحكومات فقد كان لها ذات الاثر الفعال في تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع وبين افراد المجتمع فيما بينهم ومن بين اهم هذه العلاقات تأتي علاقة العامل بصاحب العمل.
إن بعض أهل التشريع والقانون يرون أن جزءً من أفراد المجتمع يحتاجون الي حماية من تغول الجزء الآخر على حقوقهم ومكاسبهم وبالتالي يرون أن دور القانون يأتي ليكون سنداً وعضداً لطرف ضعيف ضد الطرف الآخر القوي فهنالك طرفين أحدهما قوي يريد أن يتغول على شي لايستحقه وآخر ضعيف يجب أن تكون لديه حقوق ومكتسبات محمية بالقانون ، فعلى سبيل المثال ترى هذه الفئة من القانونيين أن المستاجرين يستحقون حماية كبيرة في مواجهة المؤجرين وملاك العقارات، وأن العاملين يحتاجون إلي حماية واضحة في مواجهة أصحاب الأعمال ، وبالرغم من وجود أسباب موضوعية تقف خلف هذه الأفكار إلا أن مدرسة أخرى من المشرعين تري أن هذه الفئة قد وقعت في خطأ عظيم حينما أخرجت القانون عن حياديته ، وتري هذه المدرسة أن تقسيم أفراد المجتمع الي ظالم ومظلوم وقوي وضعيف يترك أثراً سالباً في ذهنية المشرع عند وضع وصياغة القوانين، وبدلا من أن يكون القانون حافظا لكل الحقوق الخاصة بكل مكونات المجتمع تسيطر عليه الذهنية القائمة علي ان الذي يجب ان تحفظ حقوقه هو الطرف الضعيف اما الطرف الاخر فلا يفترض ان لديه حقوق تحتاج الي حماية ورعاية، وربما ينحاز المشرع لصالح فئة من الناس دون الاخري بسبب المواطنة او الدين او الجنس اوغير ذلك من الاسباب وهنا يختل مبدأ الحيادية وحفظ كل الحقوق لكل أفراد ومكونات المجتمع، والحق أن الشريعة الإسلامية قد سبقت كل هذه المدارس في إرساء القواعد العادلة لحفظ حقوق الناس – كل الناس – والشواهد على ذلك كثيرة في القرآن والسنة وأقوال الخلفاء الراشدين وكل مصادر التشريع الإسلامية ويحسن هنا أن نشير فقط إلى ما ذكره سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له عند توليه الخلافة حيث قال ((أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ... الخ .. )).
إن الأصل في علاقات الناس الحرية المطلقة في الاختيار والالتزام بما يرونه مناسبا ومفيدا ومحققا لاهدافهم وطموحاتهم طالما ان مايتم الاتفاق عليه ليس مخالفا للشرع ولم يحقق كسبا غير مشروع ولم يسبب خسارة غير مشروعة، واستثناءا عن هذه القاعدة يمكن ان تتضمن القوانين نصوصا مقيدة ولكن يجب مراعاة ان الاستثناء لايكون الا للمصلحة العامة وليس لمصلحة فئة محددة اوجماعة او افراد .
وعلى هدى من ذلك نقول إن التوازن بين الحق العام والحق الخاص والعمل علي حفظ حقوق الافراد فيما بينهم ومنها حق العامل وصاحب العمل أن هذه عملية فنية غاية في الدقة يجب ان يمارسها المشرع بمهنية عالية وحيادية حتي تؤدي الأنظمة والقوانين الدور المنوط بها.
ولأن التوازن الطبيعي للأشياء يجعل صاحب العمل في حاجة دائمة للعامل ويجعل العامل لا محل لعمله إلا عند صاحب العمل فهذه المعادلة تجعل التنافس الطبيعي والحراك الاجتماعي لاي مجتمع هو الضابط الموضوعي والمنطقي لحفظ حقوق الأطراف ـ على الأقل من الناحية النظرية ـ فلاصاحب العمل يملك حق إجبار العامل على العمل معه ولا العامل يستطيع أن يفرض شيئاً على صاحب العمل، ولكن من الناحية العملية ـ مثلاـ يستطيع العامل الماهر صاحب التميز والتخصص والخبرة الجيدة يستطيع أن يضع الشروط التي يرى أنها تناسب كفائته ويكون ذلك مقبولاً لدى صاحب العمل الذي يريد أن تكون أعماله ناجحة، وقياساً على هذه الفرضية يستطيع العامل وصاحب العمل تنظيم علاقة العمل بينهما ويشمل ذلك كل التفاصيل الخاصة بهذه العلاقة، وفي اعتقادنا المتواضع أن هذا الضابط التلقائي للعلاقة بين العامل وصاحب العمل هو الأهم بين كل الضوابط والوسائل الأخرى المنظمة لهذه العلاقة ويشمل ذلك بالضرورة قوانين العمل كأحد أهم الوسائل المنظمة لعلاقات العمل.
إن صاحب العمل إما أن يكون الدولة أو الحكومة أو القطاع العام ومثل ذلك الوزارات والمؤسسات والهيئات والشركات التي تتبع للقطاع العام وإما أن يكون القطاع الخاص ممثلا في أية مؤسسة أو شركة خاصة أو أن يكون فرداً من أفراد المجتمع كرجال الأعمال وسيدات الأعمال ، وهذا التصنيف ضروري لتحديد نطاق القانون والتشريع.
عادة مايوجد نوعين من قوانين العمل في كل دولة أحدهما ينظم علاقات العمل في القطاع العام والثاني ينظم علاقات العمل في القطاع الخاص فالأول ينظم علاقة الدولة بالعامل والثاني يختص بعلاقات الأفراد فيما بينهم ووفقاً للمفهوم العام فإن الدولة تضع قوانين الخدمة العامة او مايعرف بقوانين الخدمة المدنية متضمنة حقوقاً أفضل بالنسبة للعامل بحسبان أن هذا العامل جزء من الدولة ذاتها ومالكاً للحق العام والمال العام ليس ذلك فحسب ولكنه يعمل على إدارة هذا المال الذي يملك جزء منه، ولكن هذه النظرية تجد صعوبات في التطبيق وفقا للأوضاع الإقتصادية لكل دولة فنجد في الدول النامية والفقيرة حظاً أوفر وأفضل للعاملين في القطاع الخاص من نظرائهم في القطاع العام والعكس صحيح فالدول الغنية والمتقدمة تتقدم شروط الخدمة وحقوق العاملين في القطاع العام عن مماثليهم في القطاع الخاص بل تتجاوز هذه الحقوق العاملين لتشمل كل المواطنين ومثال ذلك نظام التامين والضمان الاجتماعي .
وسنفرد في الجزءالثاني ـ إن شاء الله تعالى ـ من هذه المقالة مساحة أكبر للحديث عن علاقات العمل الفردية في القطاع الخاص لانها ـ في اعتقادي ـ الاكثر جدلا ولبروز الكثير من الصراعات والخلافات بين العاملين من جهة وأصحاب العمل من جهة أخرى حتى أن كلا الطرفين قام بتنظيم اتحاد ليمثله ويرعي حقوقه مثل اتحاد أصحاب العمل في كثير من دول العالم ومثل اتحادات العمال كذلك .
مما تجدر الإشارة إليه أن الثقة القائمة بين العامل وصاحب العامل هي الضامن الأقوى لاستمرار علاقة عمل ناجحة ومستقرة وكما هو معلوم فإن المعايير الشخصية المتعلقة بالصدق والإمانة تلعب دوراً كبيراً في هذا الإستقرار ولذلك جاء شرعنا الحنيف حاضاً ومحرضاً لإشاعة وغرس هذه القيم والمعاني بين الناس لبناء حياة وعلاقات نظيفة ومستقرة.
ومن بعد ذلك تأتي الإتفاقيات والعقود بين الأطراف لحفظ وتنظيم الحقوق والواجبات ويجب أن تكون هذه العقود والإتفاقيات وفقا للنظام والقانون.
وهنا وقفة نبين فيها أن قوانين العمل تضع إحتراما وتقديراً كبيراً لما يتفق عليه الإطراف طالما كان هذا الإتفاق لايخالف نصاً شرعياً أو قانونياً لأن الأصل هو اتفاق الأطراف والتراضي بينهم ويتدخل القانون لمنع المخالفات والتجاوزات مثل الحالات المتعلقة بالتجارة في مجال العمالة وحالات أو العبودية أو استغلال شرائح ضعيفة في المجتمع كاستغلال الأطفال والنساء وإن كان هذا الإستغلال في إغراض وأعمال مشروعة، ويتدخل القانون ـ في كثير من دول العالم ـ ليمنع اصحاب العمل من منح العاملين حقوق ومكافئات أقل من الحد الأدني للأجور والمكافئات المنصوص عليه في القوانين والإتفاقيات .
في كثير من الدول توجد اتفاقيات بين أصحاب العمل واتحادات العاملين تحت إشراف ورعاية وزارات العمل في تلك الدول من أهم أغراض هذه الإتفاقيات تحديد الحد الأدني للأجور والبدلات والمكافئات الخاصة بالعاملين وتراجع هذه الإتفاقيات من وقت لآخر ـ كل ثلاث أو أربع سنوات ـ ذلك لمواكبة التغيرات في الأسعار وتغيرات التكاليف المالية الخاصة بالسكن والعلاج والترحيل وغير ذلك من متطلبات الحياة.
وختاماً هذا الجزء الأول من المقال يمثل مدخل لهذا الموضوع الكبير وسيتناول الجزء الثاني إن شاء الله هذه العلاقة بشيء من التفصيل مع بعض التطبيقات العملية.

نشاطات المركز

عن المركز

تنادت مجموعة من القانونين والمحامين ذووالخبرات المتنوعة والذين لديهم رؤى وأفكار مشتركة ينتهى مقصدها فى تقديم أفضل الخدمات القانونية المتاحة للمساهمة فى تطوير مهنة المحاماة و كافة المهن القانونية وتوحدت افكارهم وجهودهم لتأسيس مركز الفاروق للدراسات والاستشارات القانونية كمؤسسة قانونية رائدة تعمل فى مجال الخدمات القانونية.
سجل المركز كشراكة بين خمسة قانونين وبرعاية كريمة من البروفسير خلف الله الرشيد رئيس القضاء الأسبق والعضو الدائم بمحكمة التحكيم الدولية وأساتذة قانونين تنوعت تخصصاتهم الأكاديمية في الدراسات االعليا و قويَّ عودهم بخبرات طويلة ومستنيرة.
المنشأ والمقر الرئيسي للمركز فى السودان و يتمتع بعلاقات متميزة مع عدد من المراكز والمكاتب القانونية في دول العالم ولديه علاقات متبادلة ومذكرات تفاهم مع عدد من المكاتب الأجنبية وللمركز عضويات بمراكز تحكيم ومؤسسات قانونية دولية.

تابعنا